wellness
التأمل أثناء المشي: كيف تحوّل نزهتك اليومية إلى ممارسة للوعي الكامل
من أزقة المدينة العتيقة الضيقة إلى كورنيش بحيرة تونس، يكتشف التونسيون أن أقوى أداة للتأمل يمتلكونها مربوطة بالفعل في أقدامهم.
كيف أعددنا هذا التقرير

الواقع صريح: معظم سكان تونس العاصمة لن يُقبلوا يوماً على الالتحاق بدروس التأمل التقليدية، ولن يشتروا وسادة التأمل، ولن يُحمّلوا تطبيقات التنفس. غير أن جميعهم تقريباً يمشون. وهذه الهوة بين ما يفعله الناس فعلاً وما تطلبه منهم برامج العافية هي بالضبط ما يسعى عدد متزايد من المدربين المحليين إلى ردمه، من خلال تعليم المشاة أن يتعاملوا مع مساراتهم اليومية باعتبارها ممارسة روحية متحركة لا مجرد وسيلة للانتقال.
التأمل أثناء المشي ليس وليد اليوم؛ إذ وظّفته التقاليد البوذية منذ نحو ألفين وخمسمائة عام، فضلاً عن عقود من الأبحاث السريرية التي رصدت آثاره. ما تغيّر هو السياق. ضغوط الحياة في المدن باتت قابلة للقياس وفي تصاعد مستمر. وكشف تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2024 حول منطقة شرق المتوسط أن ما يقارب 34 بالمئة من البالغين في المدن الكبرى يعانون من أعراض قلق إكلينيكية ذات دلالة، وهو رقم يقول اختصاصيون في المعهد الوطني للصحة في تونس إنه يتوافق مع التوجهات التي يرصدونها في عياداتهم منذ عام 2022. في ظل هذه المعطيات، تكتسب أي ممارسة ذات حاجز دخول منخفض ثقلاً حقيقياً على صعيد الصحة العامة.
المسار هو الممارسة بعينها
آليات التأمل أثناء المشي بسيطة، وهذا جزء من جوهره. تختار مساراً مألوفاً لديك، ويُعدّ شارع الحبيب بورقيبة بين المسرح البلدي وساحة الاستقلال من المسارات المفضّلة لدى الممارسين في قلب العاصمة، ثم تمشي بما يعادل نحو سبعين بالمئة من سرعتك المعتادة. تنصبّ الانتباه أولاً على الإحساس الجسدي لكل خطوة: الكعب، ثم القوس، ثم الأصابع. ثم تنتقل إلى التنفس. وبعدها، تدريجياً، إلى ما تلتقطه الحواس دون أي محاولة لتفسيره أو إصدار حكم عليه.
التباطؤ المتعمد هو أصعب جزء بالنسبة لمعظم المبتدئين. شارع الحبيب بورقيبة صاخب ومزدحم، والناس في عجلة من أمرهم. يوصي مدربو مركز كارتاج للعافية، المقام في فيلا مُرمَّمة بحي قرطاج درمش، بالبدء في مسارات أكثر هدوءاً، كالممشيات المظللة داخل حديقة البلفيدير مثلاً، حيث توفر أشجار الدلب التي يمتد عمرها إلى القرن التاسع عشر، والهدوء النسبي للمكان، بيئةً أنسب للتثبّت الحسي. وتمنح الحديقة بمساحتها التي تبلغ 110 هكتارات مساحةً كافية لإتمام جولة من عشرين دقيقة دون الرجوع على الخطى، مما يساعد على الحفاظ على الإيقاع الذي تعتمد عليه هذه الممارسة.
أما كورنيش بحيرة تونس، ولا سيما الامتداد الشمالي منه نحو حلق الوادي، فقد غدا ممراً شعبياً ثانياً. يروي المشاة المبكرون الذين يخرجون قبل السابعة صباحاً أن الأفق المفتوح على المياه يوفر نقطة تركيز بصرية طبيعية خلال مرحلة الوعي البصري في هذه الممارسة، حين يكون التوجيه ببساطة هو ترك العينين تستريحان عوضاً عن التجوال المستمر.
هيكل بلا جمود
أقام مركز كارتاج للعافية أول ورشة عمل مخصصة للتأمل أثناء المشي في مارس 2025 بتكلفة 35 ديناراً للجلسة، وقد امتلأت الأماكن خلال أربعة أيام فحسب، وتلتها سبع جلسات إضافية منذ ذلك الحين. كما أطلقت الجمعية التونسية لليقظة الذهنية، ومقرها شارع ابن خلدون في وسط العاصمة، مسيرة جماعية شهرية مجانية عبر المدينة العتيقة في يناير 2026، بلغ متوسط الحضور فيها 28 مشاركاً في كل جلسة وفق ما نشرته الجمعية من ملاحظات برنامجها.
اختيار مسار المدينة العتيقة ليس اعتباطياً. فالأزقة الضيقة بين جامع الزيتونة وباب البحر تفرض إيقاعاً أبطأ من تلقاء نفسها، إذ يتولى المكان المهمة التي يضطلع بها المدرّب. ويُطلب من المشاركين الانتباه إلى ملمس أحجار الرصيف تحت أقدامهم، والانتقال من ظل بارد إلى أشعة شمس مباشرة، وعبق الياسمين يتشابك مع رائحة القهوة والحجر الخام. يتضح أن كثافة المحفزات الحسية في حيٍّ عمره تسعمائة عام تمثّل ميزة لا عائقاً.
على الصعيد العالمي، خلص بحث نُشر في مجلة Mindfulness عام 2023 إلى أن عشر دقائق من المشي التأملي البطيء أسفرت عن انخفاض ذي دلالة إحصائية في مستويات هرمون الكورتيزول مقارنةً بالمشي العادي في المدة ذاتها، وهو اكتشاف تداولته وسائل الإعلام العربية المتخصصة في العافية على نطاق واسع هذا العام.
لمن يرغب في البدء بمفرده في تونس دون الالتحاق بأي دورة، فالأمر في متناول الجميع. اختر مساراً دائرياً يستغرق خمس عشرة دقيقة، سواء كان الممشى الداخلي في حديقة البلفيدير، أو الجانب المظلل الشرقي من شارع الحرية، أو أي حي سكني هادئ في المرسى. امشِ فيه ثلاث مرات هذا الأسبوع بخطى بطيئة تكفي لتشعر بكل وطأة قدم. أبعد سماعات الأذن. هذه الممارسة لا تتطلب قاعة ولا معلماً ولا وقتاً بعينه. لا تحتاج سوى تلك النزهة التي كنت ستخطو خطواتها على أي حال.