property
تأمين القرض العقاري: متى يكون دفعه خياراً أذكى؟
يجد كثير من الشباب التونسي المقبل على شراء أول منزل له، لا سيما في مناطق كالمرسى وضفاف البحيرة، أن دفع تأمين القرض العقاري مقدماً قد يكون الخيار الأوفر في سوق تتصاعد فيه الأسعار باستمرار.
كيف أعددنا هذا التقرير

بات المختصون في تونس ينصحون المقبلين على شراء أول منزل بالتوقف عن النظر إلى تأمين القرض العقاري باعتباره عبئاً يجب تجنبه. فمع ارتفاع أسعار الشقق في قلب العاصمة بنحو 11 بالمئة خلال الثمانية عشر شهراً الماضية، باتت تكلفة الانتظار من أجل تجميع دفعة أولى أكبر تفوق في كثير من الحالات تكلفة التأمين ذاته.
ثمة معادلة تغيّرت، وهذه هي الحقيقة الجوهرية التي تُغذّي نقاشات جديدة بين المشترين ومستشاري الرهن العقاري في مؤسسات من بينها بنك الإسكان وبنك أتيجاري، اللذان وسّعا عروضهما الموجهة للمشترين الجدد منذ يناير 2026. ويُعرف هذا التأمين محلياً بـ"تأمين المقترض المغطي لمخاطر التعثر"، ويُختصر في الأوساط المهنية بـ AMI، وهو يحمي المُقرض لا المقترض حين يدفع المشتري أقل من 20 بالمئة من ثمن العقار. يتحمّل المشتري قسط التأمين الذي يُدمج في الغالب ضمن القرض، وفي المقابل يحصل على تمويل كان سيُحرم منه.
السؤال ليس إن كان هذا التأمين يكلّف مالاً، فهو يكلّف بالتأكيد. السؤال الحقيقي هو: هل البديل، أي البقاء خارج السوق سنتين أو ثلاثاً ريثما يتراكم الادخار، يكلّف أكثر؟
ماذا تقول الأرقام في تونس اليوم؟
تُدرج شقة من غرفتين على شارع الحبيب بورقيبة بسعر يتراوح بين 480,000 و540,000 دينار تونسي، وفق قوائم البيع التي جمعتها الغرفة الوطنية للمنعشين العقاريين بحلول يونيو 2026. أما في حي ضفاف البحيرة 2، فتتجاوز أسعار الوحدات المماثلة 620,000 دينار. وعند هذه المستويات، يواجه المشتري الذي يملك دفعة أولى بنسبة 10 بالمئة، أي نحو 54,000 دينار على شقة بـ540,000 دينار، قسط تأمين يتراوح بين 1.8 و2.4 بالمئة من قيمة القرض، بحسب المؤسسة المُقرضة والملف المالي للمشتري. وعلى قرض بقيمة 486,000 دينار، يعني ذلك إضافة ما بين 8,750 و11,660 ديناراً إلى القرض العقاري.
يبدو هذا المبلغ مرتفعاً للوهلة الأولى. غير أنه إذا ارتفعت الأسعار بنسبة 8 بالمئة إضافية خلال الثمانية عشر شهراً المقبلة، وهو تقدير محافظ في ضوء المسار الأخير، فستكلّف الشقة ذاتها 43,200 دينار إضافية. وهكذا يخسر المشتري الذي انتظر تفادياً لقسط التأمين مبلغاً أكبر بكثير ليدخل السوق لاحقاً. وقد انكبّ مستشارو جمعية المشترين العقاريين بتونس، وهي جمعية تدافع عن حقوق المشترين ومقرها حي المنزه 6، على إجراء هذه المقارنات لصالح عملائهم منذ مطلع 2026، وكانت النتيجة في كل مرة لصالح دفع قسط التأمين والشراء مبكراً في سوق متصاعدة.
بيد أن ثمة شروطاً لذلك. فتأمين القرض يكون أقل جدوى حين تكون الأسعار راكدة أو متراجعة، أو حين يكون المشتري قريباً من عتبة 20 بالمئة بفارق نقطتين أو ثلاث نقاط مئوية، ويستطيع ردم هذا الفارق في غضون ستة أشهر بادخار منتظم. كما يكون أقل منطقية إذا كان المشتري يتجاوز حدود ميزانيته الحقيقية، مستعملاً التأمين ذريعةً لتجاوز محدودية قدرته الشرائية.
منح تُغيّر المعادلة
يمكن للمشترين التونسيين الراغبين في اقتناء أول سكن الاستفادة من برنامج صندوق النهوض بالسكن لفائدة الأجراء المعروف بـ"فوبروليس"، الذي تُشرف عليه بنك الإسكان. وبحسب الشريحة الدخلية، يتيح هذا الصندوق قروضاً بفائدة مدعومة تبدأ من 3 بالمئة سنوياً، أي أدنى بكثير من أسعار السوق المعتادة التي تقترب حالياً من 9.5 بالمئة للقروض العقارية التقليدية. ويُسهم هذا الدعم في تخفيف الأقساط الشهرية بصورة ملموسة، مما يعني أن دفع قسط تأمين القرض فوق قرض فوبروليس كثيراً ما يظل أيسر من الحصول على قرض بسعر السوق الكامل مع دفعة أولى أكبر.
والمشترون في أحياء كأريانة والمنزه الذين تنطبق عليهم شروط فوبروليس من الصنف الثالث، الموجّه للأسر التي يتراوح دخلها بين 1,500 و3,500 دينار شهرياً، قد يجدون أن الجمع بين الفائدة المدعومة والدخول المبكر إلى السوق عبر تأمين القرض يُفضي إلى قسط شهري لا يختلف كثيراً عن كلفة الإيجار في الأحياء ذاتها.
والخطوة العملية الأولى لأي مشتر يريد اقتناء منزله الأول اليوم هي الحصول على موافقة مبدئية مكتوبة على القرض من مؤسستين على الأقل، إذ يُعدّ بنك الإسكان وبنك أتيجاري الأكثر نشاطاً في قطاع المشترين الجدد، وطلب مقارنة تفصيلية من كل منهما بين خيار تأمين القرض وخيار الادخار الممتد في ضوء معدلات النمو الحالية للأسعار. هذه المقارنة على الورق كفيلة بالإجابة عن السؤال أسرع من أي قاعدة عامة.
هذا المقال للإعلام العام فحسب وليس نصيحة مالية أو استثمارية شخصية. راعِ ظروفك الخاصة واستشر مختصاً مرخصاً قبل اتخاذ أي قرار مالي.