السياسة
تونس تستعد لقواعد عمل جديدة: ما الذي أعلنته الحكومة فعلاً وماذا يعني ذلك؟
مجموعة شاملة من لوائح التوظيف كُشف عنها هذا الأسبوع ستُعيد رسم ملامح ممارسات التوظيف في العاصمة—وسط حالة من الغموض تخيّم على آليات التطبيق.
استمع عبر العربية · 7 د
كيف أعددنا هذا التقرير
فاجأت وزارة الشؤون الاجتماعية الجميع صباح الأربعاء بالإعلان عن قواعد جديدة لتصنيف العمالة، تُلزم الشركات في منطقة تونس الكبرى بإعادة تصنيف ما يصل إلى 40 بالمئة من موظفيها قبل الأول من أكتوبر. جاء الإعلان على الموقع الإلكتروني للوزارة في تمام الساعة 9:47 صباحاً، مانحاً المؤسسات أقل من ثلاثة أشهر لإعادة هيكلة عقودها وأنظمة إعداد التقارير لديها.
لماذا الآن؟ بلغت نسبة البطالة في تونس 16.2 بالمئة خلال الربع الثاني من العام، وفق ما أعلنه المعهد الوطني للإحصاء قبل أسبوعين. أما بطالة الشباب فتتخطى هذا الرقم بكثير إذ تبلغ 31.4 بالمئة. ويرى المسؤولون أن القواعد الجديدة—التي تُضيّق تعريفات العمل في الاقتصاد الرقمي والوظائف المؤقتة والعقود غير الرسمية—ستدفع الشركات نحو توظيف دائم عوضاً عن الاعتماد على ترتيبات قصيرة الأمد. وتراهن الحكومة على أن إلزامية التنظيم ستُفضي إلى خلق فرص عمل حقيقية، بدلاً من ترتيبات هشة تحرم العمال من أي مزايا.
للتوقيت أهميته البالغة. فقد اعتمدت الشركات على امتداد شارع الحبيب بورقيبة وفي الأحياء التجارية بالمدينة العتيقة على ترتيبات مقاولات مرنة لسنوات طويلة. وحذّر اتحاد غرفة تجارة تونس في بيان يوم الخميس من أن الامتثال سيُكلّف الشركات ما بين 12 و18 بالمئة إضافياً في ضرائب الرواتب والاشتراكات الإلزامية. وبحسب الوثائق الإرشادية الأولية الصادرة عن الوزارة، فإن شركة تقنية متوسطة الحجم في مجمع سيدي بو سعيد التقني، توظّف حالياً 23 شخصاً بصفة متعاقدين، قد تُضطر إلى تحويل 9 منهم إلى موظفين دائمين.
من يتأثر الأكثر؟
يُلقي الإعلان بضغوط فورية على قطاعي الضيافة والتجزئة اللذين يعتمدان على العمالة الموسمية والجزئية. وقد أبلغ أحد أصحاب المطاعم في منطقة الأسواق موظفيه يوم الأربعاء بأن عليهم توقّع تغييرات في عقودهم قبل سبتمبر. كما تواجه الفنادق القريبة من بحيرة تونس، التي كثّفت توظيفها لاستيعاب حجوزات الصيف، إعادة تصنيف بأثر رجعي للعمال الموجودين أصلاً في كشوف الرواتب. وتُقدّر الوزارة أن 14,000 عامل في منطقة تونس الكبرى سيتحولون من الوضع غير الرسمي إلى الرسمي بحلول نهاية العام، غير أن محامين مستقلين متخصصين في قانون العمل يرون أن هذا العدد قد يبلغ 22,000 إذا ما طُبّقت اللوائح كما هي مكتوبة.
أمام الشركات نافذة زمنية ضيقة. إذ حدّدت الوزارة الخامس عشر من أغسطس موعداً نهائياً لتقديم خطط إعادة التصنيف. والشركات التي تفوّت هذا الموعد ستواجه غرامات يومية قدرها 500 دينار عن كل موظف غير ممتثل، وفق نص اللائحة الصادر مساء الجمعة. ومؤسسة صغيرة لديها 15 موظفاً مصنّفاً بصورة خاطئة ستتراكم عليها غرامات تتجاوز 225,000 دينار بحلول نوفمبر—وهو مبلغ كفيل بإجبار أصحاب العمل ذوي الهوامش الربحية الضيقة على تسريح موظفين أو إغلاق أبوابهم.
ماذا سيحدث فعلاً؟
إليك ما يهم العمال وأصحاب العمل على حدٍّ سواء: اللوائح لا تمنح الشركات أي صلاحية تقديرية. فكل من يعمل أكثر من 25 ساعة أسبوعياً لدى صاحب عمل واحد يجب تحويله إلى وضع دائم وفق التعريفات الجديدة. ومن يحمل حالياً صفة "مؤقت" في وظيفة امتدت لأكثر من ستة أشهر يجب تسوية وضعه فوراً. ولم تنشر الوزارة بعد قائمة متطلبات الامتثال، إلا أن مكاتب المحاماة باتت تُقدّم حزم استشارية تتراوح بين 3,500 و8,000 دينار.
على العمال مراجعة كشوف رواتبهم الأخيرة وعقود عملهم. فإن كنت تؤدي العمل ذاته في الشركة ذاتها بصفة منتظمة، فأنت على الأرجح تقع ضمن نطاق القواعد الجديدة. تواصل مباشرة مع قسم الموارد البشرية في شركتك—لا تنتظر. وتقول الحكومة إنها ستُطلق بوابة امتثال إلكترونية مخصصة على الموقع الرسمي للوزارة بحلول 18 يوليو، تتضمن نماذج قابلة للتنزيل وخطاً ساخناً يعمل من السبت إلى الخميس بين الساعة 8 صباحاً و4 مساءً على الرقم 71-568-900.
على أصحاب العمل توثيق ترتيبات التوظيف الحالية فوراً. احتفظوا بلقطات من سجلات الرواتب ونماذج العقود وجداول العمل. واستعينوا بمحاسب متخصص في قانون العمل إن لم تكونوا قد فعلتم ذلك بعد. وقد أعلن الاتحاد الوطني لأصحاب العمل التونسيين عن جلسة إعلامية مجانية في فندق هيلتون تونس يوم 11 يوليو، على أن يُغلق باب التسجيل في التاسع من الشهر ذاته.
لم يعد الأمر افتراضياً. الإعلان رسمي والعدّ التنازلي بدأ. الأول من أكتوبر ليس قابلاً للتفاوض.